حسن الأمين
86
مستدركات أعيان الشيعة
« ما زلت من خمسة عشر عاما ألقي عليه درسا . وقبلي علمه معتمد الملك عشرة أعوام . وقبله الطبيب كلوكه ( فرنسي ) . وفي أيام ولايته للعهد حين كان واليا على تبريز علمه جماعة آخرون . ما شاء الله ! انه ، لشدة العمل ، أو لتشتت الفكر ، لا يعرف ، مع ذلك ، شيئا من الفرنسية ! لأنه ، كدأبه في كل أعماله ، لا يسلك إليها طريق أصولها . إنه يتصور أن التربية والتعليم هما كالاستقلال بالملك على إيران يمكن تحصيلهما بنزوات الهوس والرغبات . الدرس ، لعمري ، شيء آخر ! » . كان « ناصر الدين شاه » شديد الرغبة في تعلم اللغات الأجنبية ، ولكنه كان يتوسل إلى ذلك بعقلية الملك الذي يأمر فيطاع لا بعقلية الطالب . كانت رغبته هذه نزوات عارضة لا تلبث أن تزول . أراد مرة تعلم اللغة الألمانية مدفوعا ببعض الاعتبارات السياسية فتلقى بعض الدروس ثم انصرف عنها . وأراد تعلم اللغة الروسية فبدأ دراستها ثم انصرف عنها . وكذلك اللغة الإنكليزية . ولم يحصل من كل تلك الدروس سوى بضع كلمات من الروسية والإنكليزية . كان إذا أراد التوجه إلى الإنكليز أخذ في تعلم الإنكليزية . وأرسل الروس « الأمير دالفوروكي » سفيرا لهم إلى إيران فقرر الشاه تعلم اللغة الروسية لأن المبعوث الروسي شخصيته كبيرة بما هو أمير ! واعتاد « ناصر الدين شاه » أن يزور في كل أسبوع أو أكثر منزل أحد الأعيان أو منزل أحد أبنائه أو أحد أمراء الدرجة الأولى من الأسرة المالكة . وجرت العادة أن يقدم إليه صاحب المنزل في كل زيارة مبلغا من النقود وشيئا من التحف هدية . وكان في معيته بضعة أطباء من الإيرانيين . واستخدم أيضا بضعة أطباء من الأجانب واحدا بعد آخر . منهم طبيب فرنسي اسمه « كلوكه » وبعده طبيب نمساوي اسمه « بولاك » وقد كتب هذا الطبيب مؤلفات عن إيران وبعده فرنسي اسمه « تولوزان » وفرنسي آخر اسمه « فوفريه » . عاش « ناصر الدين شاه » سبعة وستين عاما . وملك تسعة وأربعين سنة وشهرا وثلاثة أيام . وفي يوم الجمعة 17 ذي القعدة سنة 1313 هالموافق أول أيار ( مايس ) سنة 1896 م أطلق عليه رجل اسمه « الميرزا رضا الكرماني » رصاصة من مسدس ، وهو قائم للزيارة في حرم « عبد العظيم الحسني » ( رض ) ، فارداه قتيلا . وأودع جثمانه قصر « گلستان » ريثما هيئ قبره قرب مقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) . وفي سنة 1314 هحمل جثمانه إلى هناك ودفن عند قبر احدى زوجاته الأثيرات ، المسماة « جيران » . ذكر ترجمانه « محمد حسن خان اعتماد السلطنة » في مذكراته اليومية قصة غريبة قال : « اليوم ( 28 محرم سنة 1300 ه ) روى لي الشاه حلما رآه قبل بضع ليال . رأى حيوانا كبيرا ، أكبر من الفيل ، يهجم عليه . فأطلق الشاه نحوه بازيا كان في يده ، فانشب البازي منسره في حلق الحيوان فقطعه ، وسال منه دم كثير ووقع الحيوان على الأرض ومات . وابتعد الشاه عنه كارها ما انبعث من دمه من رائحة كريهة . ثم إذا بالحيوان يرفع رأسه ويقول للشاه : سأبعث حيا بعد أربعة عشر عاما وألقاك » . وبعد أربعة عشر عاما قتل « ناصر الدين شاه » برصاصة مسدس . أما القاتل « الميرزا رضا الكرماني » فرجل جسور مقدام من أهل كرمان كان قد فر منها بعد أحداث قاسية مرت به واستقر في طهران ، حيث تعرف على السيد جمال الدين الأفغاني حين إقامته فيها وأصبح من أشد مريديه تعلقا به . ثم نفي الأفغاني من إيران إلى إسلامبول . ثم وقعت أحداث امتياز التبغ والتنباك فشارك « الميرزا رضا الكرماني » معارضي الامتياز في معارضتهم وقام بنشاط في هذا المجال ، فقبض عليه وسجن ولقي في سجنه أهوالا وعذبا كثيرا . وكان يشتغل في طهران ببيع بعض المنسوجات الكرمانية فاشترى منه الأمير « كامران ميرزا » ابن « ناصر الدين شاه » ونائبه شيئا منها دينا . وكان بعد ذلك إذا طالب بدينه لم يلق جوابا غير الإهانة والضرب حتى اضطر إلى أن شكاه إلى مؤسسة العدالة الجديدة التي أنشأها الشاه ، فأجبروا الأمير على تأدية الدين إليه ، فأداه . ولكن « الميرزا رضا » تلقى مع كل تومان قبضه صفعة ، وكان دينه ألف تومان ، حتى أصيب برجفة دائمة في رأسه وعنقه لازمته مدة من الزمن . فزادته هذه المظالم جسارة وتمردا ونقمة . ثم استطاع أن يفر من إيران ويلتحق بالسيد جمال الدين الأفغاني في إسلامبول . ثم عاد إلى إيران عازما على اغتيال « ناصر الدين شاه » . وفي استجواب المحققين له أصر إصرارا قاطعا على أن الذي حرضه على القتل هو السيد جمال الدين وأن أحدا لم يكن على علم بالمؤامرة غيره . ويرى « إدوار براون » في كتابه « انقلاب إيران » أن المحرك الأصلي غير المباشر على الاغتيال هو السياسة الإنكليزية والسياسة الروسية . وكذلك احتمل مخبر جريدة « المانشستر غارديان » هذا الاحتمال . ويرى مؤرخون آخرون أن للسلطان عبد الحميد العثماني ضلعا في المؤامرة أيضا . وقد ظل « الميرزا رضا الكرماني » القاتل حوالي ثلاثة أشهر في السجن والتعذيب حتى حكم عليه بالموت ، فشنق في يوم الأربعاء الثاني من ربيع الأول سنة 1314 هالموافق 12 آب ( أغسطس ) سنة 1886 م في أحد ميادين طهران ، وظل معلقا يومين . أم « ناصر الدين شاه » اسمها « ملك جهان خانم » ولقبها « مهد عليا » . وهي من القاجاريين . كان زوجها « محمد شاه قاجار » ضعيفا عليلا . فكانت ، لذلك تتجاوزه وتتدخل في شؤون الدولة . فتعزل وتنصب وتقطع أصدقاءها الاقطاعات من أملاك الدولة إلى أمثال هذه الأمور . ولكن لما تولى المصلح « الميرزا تقي خان أمير كبير » منصب الصدر الأعظم في أول حكم « ناصر الدين شاه » أوقفها عند حدها وألغى كل أحكامها ومراسيمها ، وكف يدها عن التدخل في شؤون الدولة . فحاولت استجلابه ببعض التملقات فلم يذعن لها . فاعتمدت طريقا آخر بان اقترحت عليه تزويجه من ابنتها أخت « ناصر الدين شاه » راجية أن تسيطر عليه بهذه المصاهرة . فقبل بهذا الاقتراح وتزوج من ابنتها راجيا أن يحكم بذلك مكانته عند الشاه . ولكن رجاء « مهد عليا » خاب أيضا . إذ أن صهرها كان يرد كل وساطاتها وتوصياتها غير ملتفت إلى شيء منها قاضيا في تحقيق خطته الاصلاحية في تنقية جهاز الحكم من الفساد . ومن ثم حنقت عليه وأخذت هي وحساد له آخرون في دس الدسائس وإثارة الفتن عليه حتى تمكنت من حمل الشاه على عزله ثم قتله . وكان لتدخلاتها في شؤون الحكم وسيرتها الخاصة أثر كبير في نشر الفساد في البلاط وجهاز الحكومة . توفيت في 6 ربيع الثاني سنة 1290 هفي